محمد كرد علي

181

خطط الشام

كتبهم . ولما ملك بطلميوس ( بطولوماوس ) فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية فحص عن كتب العلم فعهد إلى رجل اسمه زميرة فجمع من ذلك على ما حكي أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتابا . وقال له : قد بقي في الدنيا شيء كثير في السند والهند وفارس وجرجان والارمان وبابل والموصل وعند الروم . وذكروا أن النعمان ملك الحيرة أمر فنسخت له أشعار العرب في الطّنوج أي الكراريس فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض ، فلما كان المختار ابن عبيد قيل له : إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك الأسفار . قالوا : فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالأشعار من أهل البصرة . وبلغ من عناية ملوك الفرس بصيانة العلوم ، وحرصهم على بقائها على وجه الدهر ، وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض ، أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث ، وأبقاها على الأيام ، وأبعدها عن التعفن والدروس ، فكتبوا في لحاء شجر الخدنك ، ولحاؤه يسمى التّوز ، وكانت تعمل منه القسي ، وبهم اقتدى في ذلك أهل الهند والصين ومن يليهم من الأمم . ولما حصل الفرس العلوم طلبوا لها من يفاع الأرض أصحها تربة وأقلها رطوبة ، وأبعدها من الزلازل والخسوف ، وأعلكها طينا ، وأبقاها على الأيام بناء ، يقيمون فيها خزائنهم ودور كتبهم فاختاروا مدينة جيّ من عمل أصفهان جعلوها في قهندرز أي حصن ، فانهارت هذه المصنعة في الإسلام فظهروا فيها على أزج معقود من طين الشقيف ، أي بيت مستطيل من الخزف ، فوجدوا فيها كتبا كثيرة من كتب الأوائل مكتوبة كلها في لحاء التوز بالكتابة الفارسية القديمة ، وقالوا : إن الفرس كانوا يودعون كتبهم في سارويه ، أحد الأبنية الوثيقة القديمة المعجزة البناء ، وتشبه الأهرام في الجلالة وإعجاز البناء ، وكانت الكتب تكتب على صفحة صفحة أي من وجه واحد . هذا ما يؤخذ من كلام ابن النديم وغيره في منشإ الكتب عند القدماء ، ومع هذا لم تحفظ لغات الأقدمين لولا ما وجد منها مكتوبا على الأحجار ، وكان بعض تلك اللغات اندثر في القرون الأخيرة حتى لا يحلها إنسان ، مثل اللغة الهيروغليفية لغة قدماء المصريين المقدسة فعثروا في رشيد من ثغور مصر